ابن الجوزي
300
صفة الصفوة
ضحوة . فلما دخلت إذا بالشيخ . فسلّم عليّ وقال لي : يا أبا الحسين يصنع اللّه للضعيف حتى يتعجّب القويّ . قال : فأخذني شبيه الوسواس في أمره . قال فلم أحسّ حتى بلغت القرعاء « 1 » على الغد ، فبلغت مع الصبح فدخلت المسجد فإذا أنا بالشيخ قاعدا فقال لي : يا أبا الحسين ، يصنع اللّه للضعيف حتى يتعجّب القويّ . قال : فبادرت إليه فوقعت بين يديه على وجهي فقلت : المعذرة إلى اللّه وإليك . قال لي : ما لك ؟ قلت : أخطأت . قال : وما هو ؟ قلت الصحبة . قال : أليس حلفت ؟ وإنا نكره أن نحنثك ، قال : قلت : فأراك في كل منزل . قال : ذاك لك . قال : فذهب عني الجوع [ والعطش ] والتعب في كل منزل ليس لي همّ إلا الدخول إلى المنزل فأراه . إلى أن بلغت المدينة فغاب عني فلم أره . فلما قدمت مكة حضرت أبا بكر الكناني وأبا الحسين المزيّن فذكرت ذلك لهم فقالوا : يا أحمق ذلك أبو جعفر المجذوم ، ونحن نسأل اللّه أن نراه . فقالوا : إن لقيته فتعلق به لعلّنا نراه . قلت : نعم . فلما خرجنا إلى منى وعرفات لم ألقه : فلما كان يوم الجمرة رميت الجمار ، فحدثني إنسان وقال : يا أبا الحسين السلام عليك . فلما رأيته لحقني من رؤيته فصحت وغشي علي . وذهب عني وجئت إلى مسجد الخيف وأخبرت أصحابنا . فلما كان يوم الوداع صلّيت خلف المقام ركعتين ورفعت يدي فإذا إنسان خلفي جذبني فقال : يا أبا الحسين عزمت عليك أن تصبح قلت : لا ، أسألك أن تدعو لي . فقال : سل ما شئت . فسألت اللّه تعالى ثلاث دعوات فأمّن على دعائي فغاب عني فلم أره . فسألته عن الأدعية فقال : فأما أحدها فقلت : يا ربّ حبّب إليّ الفقر فليس في الدنيا شيء أحب إليّ منه . والثاني قلت : اللهم لا تجعلني أبيت ليلة ولي شيء أدّخره لغد ، وأنا منذ كذا وكذا سنة ما لي شيء أدّخره . والثالث قلت : اللهم إذا
--> ( 1 ) القرعاء : موضع قرب المغيثة .